بشارة الراعي يتنكر للموارنة وللكنيسة ولدماء الشهداء

بقلم/الياس بجاني*

 

"المحبة فلتكن بلا رياء. كونوا كارهين الشر، ملتصقين بالخير" (رومية 12/09)

 

 لم يرى الموارنة في تاريخهم الطويل بطريركاً كبشارة الراعي "لا يعرف خرافه ولا خرافه تعرفه"، وشارداً عن ينابيع الثقافة المارونية، وفاقداً لكل معايير الإيمان التي في مقدمها الشهادة للحق والتجرد والتواضع وحب الغير والتشبث بقيم الحرية والديموقراطية وتقديس كرامة الإنسان والدفاع عن المظلومين بجرأة وفروسية في وجه الظلمة والمجرمين دون مسايرة أو مساومة أو نفاق وقلب للحقائق. كما أنه وكل يوم ينقض علناً ودون أن يرمش له جفن كل ثوابت البطريركية المارونية التاريخية والوطنية والإيمانية والقيمية على الصعد كافة وفي جميع المجالات.

 

بنتيجة كل هذا الكم من الشرود الفاضح والوقح، وعلى خلفية ابتعاده عن كل ما عُرِف به جميع بطاركة الموارنة ال 76 من قيم محبة وتواضع وعطاء وحكمة وإيمان وصدق وشفافية وتقوى، بتنا لا نرى فيه وفي عقليته وممارساته وخطابه وتحالفاته ما يشبهنا كموارنة، ولا ما يشبه ثقافتنا وكنيستنا، بل على النقيض أصبحنا نخجل ونخاف من شروده وأمسينا نعتقد أنه واقع في التجربة الإبليسية وهمه ضرب دور الكنيسة المارونية التاريخي التي أعطي لها مجد لبنان ويعتبرها اللبنانيون جميعاً وعن قناعة تامة ضميراً لوطن الأرز وحارساً أميناً لتعايش بنيه ولاستقلاله وسيادته وهويته والحريات فيه.

 

بالواقع يصعب تفسير وفهم هذا الجنون القاتل والفج في كل خطاب البطريرك بشارة الراعي ومواقفه واستكباره وجهله وحقده وشروده بغير احتمالين بالمفهوم البشري وثالث إيماني:

الأول أن يكون واقعاً تحت رحمة من يهدده (المخابرات السورية) بملفات أخلاقية ومخابراتية مشينة وبالتالي ينفذ ما يطلب منه خوفاً من فضح هذه الملفاتً، وقد كتبت وسائل الإعلام اللبنانية والعربية الكثير في هذا المجال دون أن يتمكن الراعي لا من بعيد ولا من قريب من نقض ما نشر إلا بالتلطي وراء مفهوم المؤامرة.

 

والاحتمال الثاني هو أن يكون الراعي عضواً ملتزماً في حزب البعث الأسدي العقائدي وليس عنده التزام كنسي ولا هو صاحب دعوة ولا من يحزنون، وبالتالي لا شيء فيه لبنانياً أو مارونياً أو انجيلياً فكراً ومعتقداً وأهدافاً وسعياً وممارسات. ولكن تاريخه يناقض هذا الاحتمال.

 

أما الإحتمال الإيماني المرجع فهو الوقوع في التجربة بنتيجة قلة الإيمان وخور الرجاء.

 

ليس في نقدنا هذا أي تجني أو تحليل رغم صراحته غير المسبوقة، بل قراءة واقعية ومنطقية وتمحيص وتفنيد جدي ورصين بتجرد كامل لكل كلمة تفوه بها منذ انتخابه بطريركاً أكان خلال زيارتيه التعيستين والفاضحتين لفرنسا وأميركا، أو خلال جولاته على المناطق اللبنانية وتحديداً في بعلبك والجنوب حيث تبنى كل طروحات ولاية الفقيه لبنانياً وعربياً ودولياً، وكذلك تصريحاته "الأسدية والبعثية" الصادمة ومنها ما قاله لوفد سوري جاء يهنئه بالسنة الجديدة: "السوريون واللبنانيون شعب واحد في بلدين".

 

بالعودة إلى محتوى رزم التصريحات والخطابات والمقابلات التي نشرت منذ سنة وهي كثيرة جداً لا يعود هناك أي شك أو تقويل أو أي داعي للتحليل لأنها بمعظمها تبين وقوفه القوي إلى جانب دول ومنظمات محور الشر والإرهاب (سوريا وإيران وحزب الله) لبنانياً وسوريا وعربياً ودولياً وإقليمياً. كما أنها تُظهر دون التباس تبنيه لكل مفاهيم هذا المحور فيما يخص سلاح ودويلة حزب الله، والجنوب اللبناني، واتفاقية الهدنة، والقرارات الدويلة المتعلقة بلبنان والفلسطينيين وإسرائيل، وحلف الأقليات، وسلطة الدولة اللبنانية، واتفاق الطائف والثورات العربية وخصوصاً المجزرة التي يتابع ارتكابها بوحشية وسادية وإجرام منذ سنة نظام الأسد ضد شعبه الرافض لحكمه الدكتاتوري.

 

من يقرأ بخلفية ايمانية بحتة محتوى ما نقلته عنه وكالة أنباء رويترز يوم الأحد 04 شباط/12 من مواقف مستنكرة ومعيبة وسورية-إيرانية بامتياز لا يرى فيما قاله مقارنة مع ماضيه غير احتمال الوقوع في التجربة الشيطانية والسقوط في افخاخ الشر.

 اضغط هنا لقراءة تقرير رويترز باللغتين العربية والإنكليزية وتعليقات صحافية عاتبة وناقدة لطارق الحميد وايلي الحاج وعلي حماده وعوني الكعكي 

http://10452lccc.com/documents07/raei%20reuters05.03.12.htm

 

لن نغوص في تفسير ما نشر لأن المواقف واضحة وجلية، فالراعي يزايد ويتاجر بالقضية الفلسطينية ويعلق على شماعتها كل ارتكابات وإجرام النظام السوري، تماماً كما فعل ويفعل منذ سنة 1948 كل من يتاجر بشعارات المؤامرة والعداء لإسرائيل والمقاومة والممانعة والتحرير.

 

أما المحزن في الأمر هو تغاضى عن إجرام النظام السوري ليس فقط ضد السوريين وأطفالهم ومدنهم وقراهم، ولكن ضد أبناء رعيته وكنيسته بشكل خاص واللبنانيين جميعاً باطار أشمل إذ يقول: " سوريا مثلها مثل غيرها من البلدان فهي بحاجة إلى إصلاحات يطالب بها الشعب وحتى الرئيس السوري بشار الأسد أعلنها منذ مارس آذار الماضي. وصحيح أن نظام البعث السوري هو نظام متشدد ديكتاتوري لكن يوجد مثله كثيرا في العالم العربي". ويضيف مدافعا عن النظام السوري ومبرراً له أعماله الإجرامية: "كل الأنظمة في العالم العربي دين الدولة هو الإسلام إلا سوريا وحدها تتميز من دون سواها بأنها لا تقول إنها دولة إسلامية، ولكن دين الرئيس الإسلام. اقرب شيء إلى الديموقراطية هي سوريا".

 

ببراءة الأطفال نسال صاحب الغبطة من خطف وغيب رهبان دير القلعة وفجر كنيسة سيدة النجاة واغتال رينه معوض وبشير وبيار الجميل والمفتي خالد وكمال جنبلاط والرئيس الحريري وكوكبة شهداء ثورة الأرز وباقي الآلاف من الشهداء الأبرار منذ العام 1975؟

من دمر زحله والأشرفية وارتكب مجازر الدامور والجبل والقاع والفياضية وشكا والشمال وعاريا وضهر الوحش وبسوس وغيرها العديد من المجازر في كل أرجاء وطن الأرز وضد كل شرائحه؟

 

من فجر مئات السيارة الملغومة وخطف الكتائبي بطرس خوند وغيره من الأحرار وشوه صورة لبنان وجعله ساحة للإرهاب ومركزا للفسق والعهر ومرتعاً لتجار المخدرات وساحة لمدعي المقاومة والتحرير المنافقين والأصوليين؟

من اسقط المنطقة الحرة سنة 1990، ودنس القصر الرئاسي واستباح وزارة الدفاع وأهان جيشنا وخطف وعذب وسجن وقتل أفراده وارتكب أفظع وأبشع المجازر وعطل الدستور وضرب الهوية والكيان والاستقلال؟  ومن منع إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب سنة 2000 وهجر أهلنا واقتلعهم من أرضهم، وتطول القائمة!!

 

من ذبح أطفالنا وشيوخنا، ومن جنس اعتباطاً ودون وجه حق نصف مليون شخص بشطحة قلم وجعل من المسيحيين أقليه في وطنهم؟ ومن هجرهم وسجن ونفى قادتهم وخطف أحرارهم وعذبهم واضطهدهم وأذلهم؟ ومن أقام دويلة حزب الله الإيرانية وجعل من المخيمات الفلسطينية مربعات أمنية مافياوية وأصولية وإرهابية خارجة عن سلطة الدولة؟

 

بصوت عال نقول: يا أيها الراعي أنت بخطابك وممارساتك ومواقفك وتحالفاتك ومفهومك للأحدث في لبنان ودول الجوار لا تمثل الموارنة ولا حتى تشبههم، بل أنت خطر عليهم وعلى كنيستهم وعلى لبنانهم ورسالته.

 

باسم كل أهل الشهداء اللبنانيين الذين قتلهم النظام السوري، وباسم المغيبين من أهلنا في سجون بشار المجرم، واللاجئين في إسرائيل، وباسم كل لبناني حر وماروني يحترم مارونيته نستنكر شرودك ونقول لك "إن الله يمهل لكنه لا يهمل"، ونترك أمر محاسبتك له وهو العادل والقادر على كل شيء والقائل: "لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء، بل أعطوا مكانا للغضب، لأنه مكتوب: لي النقمة أنا أجازي، يقول الرب" (رومية 12/19)

 

*الكاتب معلق سياسي وناشط لبناني اغترابي

*عنوان الكاتب الألكتروني

phoenicia@hotmail.com

*تورنتو/كندا في 07 آذار/2011